الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

450

تفسير روح البيان

ويعضده ما روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ان الشياطين كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات ولما ولد محمد عليه السلام منعوا من السماوات كلها بالشهب وما يوجد اليوم من اخبار الجن على ألسنة المخلوقين انما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض مما لا نراه نحن كسرقة سارق أو خبية في مكان خفى ونحو ذلك وان أخبروا بما سيكون كان كذبا كما في آكام المرجان وفي الحديث ( ان الملائكة تنزل إلى العنان فتذكر الأمر الذي قضى في السماء فيسترق الشيطان السمع فيوحيه إلى الكهان فيكذبون مائة كذبة من عند أنفسهم ) وفي بعض التفاسير ان الشياطين كانوا يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا أو كان الشيطان المارد يصعد ويكون الآخر أسفل منه فإذا سمع قال للذي هو أسفل منه قد كان من الأمر كذا وكذا فيهرب الأسفل لاخبار الكهنة ويرمى المستمع بالشهاب فهم لا يرمون بالكواكب نفسها لأنها قارة بالفلك على حالها وما ذاك الا كقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة كاملة لا تنقص فمنهم من يحرق وجهه وجبينه ويده وحيث يشاء اللّه ومنهم من يخبل اى يفسد عقله حتى لا يعود إلى الاستماع من السماء فيصير غولا فيضل الناس في البوادي ويغتالهم اى يهلكهم ويأخذهم من حيث لم يدروا قال ابن الأثير في النهاية الغول أحد الغيلان وهي جنس من الجن والشيطان وكانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تترا أي للناس فتتلون تلونا في صور شتى تضلهم عن الطريق وتهلكهم انتهى وفيه إشارة إلى أن وجود الغول لا ينكر بل المنكر تشكلهم باشكال مختلفة وإهلاكهم بني آدم وهو مخالف لما سبق آنفا من التفاسير اللهم الا ان يراد ان ذلك قبل بعثة النبي عليه السلام وقد أبطله عليه السلام بقوله ( لا غول ولكن السعالى ) اى لا يستطيع الغول ان يضل أحدا فلا معنى للزعم المذكور . والسعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن جمع سعلاة بالكسر ولكن في الجن سحرة تتلبس وتتخيل لهم قال في أنوار المشارق والذي ذهب اليه المحققون ان الغول شئ يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر الجود والغول والعنقاء ثالثة * أسماء أشياء لم توجد ولم تكن وتزعم العرب انه إذا انفرد رجل في الصحراء ظهرت له في خلقة انسان ورجلاها رجلا حمار انتهى واما قول صاحب المثنوى قدس سره ذكر حق كن بانگ غولانرا بسوز * چشم نرگس را أزين كركس بدوز فيشير إلى الشياطين الخبيثة المفسدة بل إلى كل مضل للطالب عن طريق الحق على سبيل التشبيه وفائدة الذكر كونه دافعا لوساوسه لأنه إذا ذكر اللّه خنس الشيطان اى تأخر ولعل المراد واللّه اعلم أن الجن ليس لهم دماغ كادمغة بني آدم فلا تحمل لهم على استماع الصوت الجهوري الشديد فالذاكر إذا رفع صوته بالذكر طرد عن نفسه الشيطان وأحرقه بنور ذكره وأفسد عقله بشدة صوته وشهاب نفسه المؤثر ذكر أبو بكر الرازي ان التكبير جهرا في غير أيام التشريق لايسن الا بإزاء العدو واللصوص تهييبا لهم انتهى يقول الفقير لما كان أعدى العدو هي النفس وأشد اللصوص والسراق هو الشيطان اعتاد الصوفية بجهر الذكر في كل زمان ومكان تهييبا لهما وطردا لوسوستهما وإلقاءاتهما والعاقل لا يستريب فيه أصلا